القائمة الرئيسية

الصفحات

الخيانة الإلكترونية جريمة أم خصوصية

بقلم ذ محمد زروق
حاصل على الماستر في القانون و الممارسة القضائية           
                     

تعد مؤسسة الزواج في الإسلام من بين أسمى المؤسسات ، ولهذا يعتبر عقد الزواج من أقدس العقود التي تربط بين الرجل والمرأة على وجه البقاء غايته الإحصان والعفاف والمحافظة على النسل وإنشاء

أسرة مستقرة إذ بواسطته يحصن المجتمع من الأمراض الفتاكة ومن الانحلال الخلقي ، وهذا ما أكدته المدونة في المادة الرابعة عندما عرفت الزواج بأنه " ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة، كما نوه القرآن الكريم بهذا الميثاق والرباط المتين في قوله تعالي " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة " وقوله عز وجل أيضا " ومن آياته أن "خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة 

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي ، ما أكرم النساء إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم" ، وأمر الرسول صلى الله عليه و سلم بحسن معاشرة الزوجة لزوجها لما في ذلك من فضل وثواب "عظيمين عند الله وفي ذلك قال : " أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة 
فمن خلال هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة يتضح جليا أن مفهوم الإسلام للزواج قائم على علاقات مودة ورحمة وتآزر، إلا أن هذه الرابطة قد تتعرض إلى ما يكدر صفوها ويلحقها الفتور أو تعرف خلافات تعصف بهناء الحياة الزوجية ويحل التنافر بدل الانسجام والوئام والكراهية بدل المحبة والألفة والقسوة بدل الرحمة والعطف ، فتصبح بذلك الحياة بين الزوجين جحيما لا يطاق، و ما الخيانة الزوجية إلا خير مثال على ذلك،هذه الأخيرة التي عرفت تطور بفعل التقدم التكنولوجي في مجال الاتصال و التواصل،لتخرج من القالب التقليدي التي كانت تعرف به،لتصبح بحلة الكترونية جديدة
فأسباب الخيانة الالكترونية هي نفس أسباب الخيانة العادية، فمن بينها و أهمها الفراغ بكل أنواعه : الفراغ العاطفي ،وفراغ الوقت،والفراغ من القيم الأخلاقية، غياب الاهتمام بين الأزواج كثرة الخلافات الزوجية، الملل في الحياة الزوجية ....الخ، و إن تعددت الأسباب المؤدية إلى الخيانة تبقى مجرمة و لا يوجد سبب ما يبررها

و المشرع المغربي جرم العلاقة الجنسية غير المشروعة، سواء تعلق الأمر بتلك التي تجمع ما بين متزوج و طرف غير متزوج أو تلك التي تجمع بين طرفان متزوجان ، حيث نصت المادة 491 من ق ج على أنه : يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين أحد الزوجين الذي يرتكب جريمة الخيانة الزوجية، ولا تجوز المتابعة في هذه الحالة إلا بناء على شكوى من الزوجة أو الزوج المجني عليه
غير أنه في حالة غياب أحد الزوجين خارج تراب المملكة، فإنه يمكن للنيابة العامة أن تقوم تلقائيا بمتابعة الزوج الآخر الذي يتعاطى الخيانة الزوجية بصفة ظاهرة
و طبقا لما جاء في الفصل 492 فالمشرع المغربي جعل التنازل عن الشكاية يضع حدا للمتابعة بالنسبة للزوج أو الزوجة المشتكى بها، ولا يستفيد مشارك الزوجة ولا مشاركة الزوج مطلقا من هذا التنازل
و المحاكم المغربية أصبحت تعج بقضايا سببها الخيانة الزوجية ، فهذه الأخيرة و كما هو معروف تقوم على ركنين أساسيين هما : الركن المادي أو الفعل المادي للجريمة، ويتمثل في العلاقة الجنسية غير المشروعة الموجودة بين رجل وامرأة وتقتضي هذه العلاقة في جوهرها مواقعة الرجل للمرأة، أي قيام اتصال جنسي ولو لمرة واحدة، و الركن الثاني هو الركن المعنوي للجريمة: فالخيانة الزوجية من الجرائم العمدية ومن هنا يكون الركن المعنوي فيها متجليا في القصد الجنائي
هذا عندما نكون بصدد الحديث عن الخيانة الزوجية التقليدية، لكن عندما تتخذ الخيانة قالبها العصري فتصبح خيانة إلكترونية أي بين زوجة أو زوج و طرف ثالث، لا يجمعهما مكان واحد سوى العالم الافتراضي (الوات ساب أو الفيس بوك ...) الأمر هنا يختلف. فحتى لو توفر الزوج أو الزوجة على أدلة تنبث خيانة زوجه سواء تعلق الأمر بتبادل رسائل نصية غرامية أو صور خليعة .... لا يمكن أن يعتد بها
والشاهد في هذا الفصل 493 من القانون الجنائي الذي جاء فيه : " الجرائم المعاقب عليها في الفصلين 490 و491 لا تثبت إلا بناء على محضر رسمي يحرره أحد ضباط الشرطة القضائية في حالة التلبس أو بناء على اعتراف تضمنته "مكاتيب أو أوراق صادرة عن المتهم أو اعتراف قضائي
و ما ينطبق على جريمة الخيانة الزوجية يطبق على جريمة الفساد من حيث الإثبات فقط ،الشئ الذي يزيد الأمر تعقيدا في إثبات هذه الجريمة،فالقاضي هنا ملزم بتطبيق النص الجنائي،فسلطته التقديرية مقيدة في جريمة الخيانة الزوجية و الفساد
فمعظم قضايا الخيانة الزوجية لم تستطع المحكمة إيجاد قرائن قانونية قوية لإدانة المتهمين فانتهت بنيل البراءة لفائدة الشك لانعدام دليل لإثبات جريمة الخيانة
وهنا يثار التساؤل حول مدى حجية الرسائل الإلكترونية المحصل عليها بطرق غير قانونية لإثبات الخيانة الزوجية؟ ألا يعتبر هذا ضربا لمبدأ الخصوصية بين الزوجين؟
فقد يرى البعض بأن العلاقة الزوجية لها خصوصية مختلفة عن سائر العلاقات الإنسانية و ليس بينهما حواجز،فحصول أحد الزوجين بمحض الصدفة على ما يثبت الخيانة الزوجية لا يعد خرقا لمبدأ الخصوصية،في حين ذهب يمكن أن يعتبر البعض الآخر أن العلاقة الزوجية لا تلغي الخصوصية بين الزوجين، بل لابد لكل منهما من الاحتفاظ ببعض الخصوصية دون اطلاع أو تسلط أحدهما على الممتلكات الشخصية للآخر

أما بالنسبة حجية الرسائل الإلكترونية المحصل عليها بطرق غير قانونية لإثبات الخيانة الزوجية ليس هناك حكم قضائي ليومنا هذا يعتد بهذه الرسائل و لو كقرينة من أجل إثبات الخيانة الزوجية،لاسيما أن هناك العديد من القضايا التي يأتي فيه المشتكي أو المشتكية و هم يتوفران على رسائل أو صور خليعة بين الزوج و الطرف الثالث إلا أن القاضي لا يعتد بها،لسبب هو المشرع المغربي حدد وسائل الإثبات في جريمتي الخيانة الزوجية و الفساد على سبيل الحصر في الفصل 493 من القانون الجنائي، الشئ الذي يجعل سلطة القاضي مقيدة بالفصل سالف الذكر

لكل هذا أصبح المشرع مرغما من أجل أن يأتي بتعديلات تواكب التطورات التكنولوجية التي أصبح يعرفها العالم في مجال التواصل من جهة، و يحفظ حقوق المتقاضين من جهة ثانية، حتى يتسنى له أن يسد هذا الفراغ التشريعي المتروك في مثل هذه القضايا
بقلم ذ محمد زروق
حاصل على الماستر في القانون و الممارسة القضائية

تعليقات