القائمة الرئيسية

الصفحات

دور التواصل في إصلاح منظومة العدالة


دور التواصل في إصلاح منظومة العدالة

إعداد:ذ/ خليل الإدريسي



إذا تأملنا في الموضوع، فإننا سنجد أن المعني بإصلاح العدالة هي منظومة بكامل حلقاتها، تتكون من عدة فاعلين كل حسب دوره في صناعة المنتوج القضائي، وهي ما يصطلح عليها عادة بمنظومة العدالة مفهوما أوسع يشمل كل الفاعلين داخل المجتمع أو المنظومة القضائية مفهوما يعنى به كل المتدخلين المباشرين في العملية القضائية. لكن رغم الإجماع الذي يعرفه مطلب إصلاح العدالة، وسيادته على باقي المطالب المجتمعية الأخرى، لدرجة أنه أصبح لازمة خطب أعلى سلطة في البلد خلال العقدين الأخيرين، فإن الجهات المعنية بهذا الإصلاح لم تستطع لحد الآن بلورة خطة حقيقية ذات أسس علمية من شأنها رسم خريطة طريق جدية لتحقيق هذا المطلب. وهذا ما يدفع أي مهتم بالموضوع للتساؤل عن السبب الحقيقي الكامن وراء هذا التعثر الذي يحول دون انطلاق ورش حيوي من شأنه تحرير جميع المجالات الحيوية داخل المجتمع من قيود الفساد. 

إننا نعتقد أن السبب الرئيسي وراء هذا الإخفاق هو استئثار الحكومة ممثلة في وزارة العدل بموضوع الإصلاح، واختزال ذلك في تركيز الحديث عن مكون واحد من بين مختلف مكونات هذه المنظومة ألا وهو القضاة. وإن كان هذا المكون يمثل الفاعل الأساسي في قطاع العدالة، إلا أن أي حديث عن الإصلاح يجب أن يتناول المنظومة القضائية برمتها أي جميع الفاعلين في قطاع العدل. كما أننا نعتقد بأن سببا آخر لا يخلو أهمية عن سابقه، يكمن بدوره وراء إخفاق هذه الأخيرة - أي المنظومة القضائية - في تحقيق العدالة، وهو طبيعة العلاقة التي تحكم مكوناتها خاصة في بعدها المؤسساتي. إن مستوى العملية التواصلية القائمة داخل المنظومة القضائية سواء داخل كل مكون من مكوناتها أو بين بعضها البعض يبقى محددا جديرا بالبحث لمعرفة مدى تأثير ذلك على نجاح أو فشل أي محاولة لإصلاحها. فالتفكير والعمل الأحادي داخل أي مجموعة تحتاج لإخراج إنتاجها إلى تدخل كل وحداتها يتطلب إيجاد علاقة تواصل بناءة بين هذه الوحدات تستجيب للمعايير العلمية المطلوبة. 
إن تفكير كل واحد من مكونات المنظومة القضائية بشكل منفرد ومن زاويته المحدودة في موضوع الإصلاح، دون معرفة ما عند الآخر من معطيات وآراء ومقترحات لا يمكنه في النهاية أن يصيغ لنا خطة فعالة. فالمنظور الخاص لوزارة العدل حول الإصلاح المعد بعيدا عن رأي للقضاة وتصور المحامين، وتطلعات العدول والموثقين ومطالب المفوضين القضائيين والخبراء وكتاب الضبط والإداريين القضائيين، لا يمكنه في النهاية أن يوفر أرضية متماسكة لانطلاق مخطط مضبوط لتحقيق مخطط استراتيجي للإصلاح.
فما هي مستويات التواصل المطلوبة لنجاح أي مخطط لإصلاح منظومة العدالة ؟ 
يعرف التواصل بأنه: الاشتراك مع الآخرين في عملية تبادل وانتقال المعلومات. ففعل « اتصل « يفيد الإخبار والإعلام والتخاطب. وهو بذلك يعبر عن عملية انتقال من وضع فردي إلى وضع جماعي. والتواصل كما عرفه عالم الاجتماع الفرنسي جان كازنوف هو: نقل معلومة من مرسل إلى متلق عبر قناة اتصال . وهو يشترط الدوام والتداول في العلاقة بحيث تتم عملية النقل من الطرفين معا في اتجاه بعضهما البعض. مما وجب معه التمييز بين مفهومين، كثيرا ما يتم الخلط بينهما، وهما الاتصال والتواصل. فالأول يفيد القيام بعملية التعبير عن رسالة معينة من مرسل إلى متلق عبر آلية معينة، في حين يفيد الثاني تبادل الرسائل من طرف لآخر بشكل تطبعه الاستمرارية. 
ويشترط لتحقيق التواصل بشكل سليم أن تكون الرسالة واضحة، وأن لا يتم التشويش عليها، وأن يكون المتلقي مستعدا لتلقيها ومدركا لأهميتها. هذه التفاصيل تبرز بوضوح أهمية العملية التواصلية كمجال للتفاهم والتحاور من خلال تبادل الأفكار والآراء والمعلومات. إذ يمكن لفعل التواصل أن يخضع لعملية التحريف والتمويه لإجبار المتلقي على تقبل خطاب يتنافى مع الحقيقة. وهنا تتحول العملية من تواصل إلى سلطة. والسلطة يكون خطابها بعيدا عن التواصل وإنما، كما ذكر ميشيل فوكو هو خطاب يرمي إلى تحقيق الهيمنة والسيطرة. وهو ما دفع دومينيك ولتون إلى الاستنتاج الآتي: إن عمليات التواصل لم تبلغ التراتبيات القائمة بين الأفراد والجماعات، لأنها - أي التراتبيات - مقترنة على الدوام بممارسة السلطة .
ويعتبر الباحث في علم التواصل جون ديوي التواصل كأداة تدقيق اجتماعي فهو أساس كل علاقة إنسانية تقوم بإنتاج وتحقيق مكاسب اجتماعية، وتربط في ما بين الأفراد وتفسح المجال أمام الحياة الجماعية.
فالتواصل هو نوع من التفاعل الهادئ إلى خلق تفاهم بين مجموعة من الذوات داخل مجال عمومي. وقد استعمل جيرجان هابرماس في مؤلفه: «أخلاق وتواصل» عدة مفاهيم لإبراز خصوصية هذا التفاعل مثل: البين ذاتية، الاعتراف المتبادل، المبررات العقلانية، الصلاحية المعيارية، تسوية الخلاف، العقلانية التواصلية، أخلاقية النقاش ... إلخ. ويقول هابرماس: «إن التفاعلات التي يتفق المشاركون من خلالها على تنسيق خططهم في العمل بشكل متعاون، هي التي أدعوها بالعمليات التواصلية». وهنا تبرز أهمية ما يعرف بالنقاش العمومي الذي يقتضي وجود إطار أخلاقي وآخر عقلاني علمي، حيث ترتبط العقلانية التواصلية بالممارسات المتمثلة في النقاش الذي يقوم بين مختلف مكونات المجتمع ضمن ثقافة ديمقراطية مشتركة تضمن تعدد المشاركين واحترام القواعد العلمية لاتخاذ القرار. وبالتالي يصبح الفضاء العمومي وعاء ديمقراطيا يجتمع فيه الفاعلون والجمهور لبلورة رأي عام، انطلاقا من إرادات مستقلة غير مهيمن عليها، ومقتنعة بأهمية النقاش وتداول الأفكار والمشورة والحجاج العقلاني، وهكذا تتحقق الفعالية التواصلية التي ترمي إلى وضع حد للتراتبية بين الأطراف ومنطق الهيمنة. وقد حدد الباحثون رهانات عديدة للتواصل اختزلها المفكر الفرنسي أليكس موشيلي في خمسة رهانات، هي: الرهان الإخباري، رهان التموقع أمام الآخر، رهان التأثير، الرهان العلائقي، الرهان المعياري .

بعد هذه الوقفة الموجزة عند مفهوم التواصل وأبعاده النفسية والاجتماعية، كما حددها بعض الباحثين في المجال، ننتقل إلى اقتراح بعض مستويات التواصل التي نعتقد أنها مطلوبة لوضع أي خطة لإصلاح منظومة العدالة بالمغرب. المستوى الأول: التواصل من أجل تشخيص الفساد

يقتضي أي انخراط في وضع إستراتجية لإصلاح المنظومة القضائية بالمغرب إشراك جميع المكونات المعنية في عملية تشخيص مكامن الخلل. هذه العملية التي تقتضي القيام بتحليل للبيئة المطلوب إصلاحها، وذلك اعتبارا لمجالين أساسيين هما: المحيط والداخل. هذا التحليل الذي يجب أن يشترك فيه جميع الفاعلين المعنيين بموضوع العدالة كل حسب محيطه. وندرج على سبيل المثال بعض جوانب هذا التحليل قيما يلي:

أولا: تشخيص البيئة المحيطة:

البيئة السياسية:

تعتبر التوجهات السياسية الجديدة للدولة المعبر عنها بموجب مقتضيات ومواد دستور يوليوز 2011، بمثابة الإطار العام لفكرة الإصلاح التي تستهدف مختلف مرافق المجتمع ومن أهمها قطاع العدالة. ويمكن تحديد هذه التوجهات في ورشين أساسيين هما: تنزيل أحكام الدستور على المستوى التشريعي، وتنزيل مبادئه وقيمه على المستوى المرفقي و الواقعي، وهو المعبر عنه عموما بمخطط إصلاح العدالة.

البيئة الاجتماعية:

سادت في المجتمع المغربي مجموعة من المفاهيم والسلوكات التي نجمت عن واقع الفساد الذي شهده قطاع العدالة خصوصا ومختلف القطاعات العمومية عموما، نذكر على رأسها الرشوة والوساطة والمحسوبية واستغلال النفوذ. هذه المظاهر السلبية أنتجت لنا قيما فاسدة عطلت وظيفة القضاء المتمثلة في تحقيق العدل. فوجدنا أنفسنا أمام ظلم اجتماعي أدى إلى فقدان ثقة المجتمع في مرفق العدالة والتشكيك في مدى مصداقية القانون وسيادته على جميع فئات المجتمع وطغيان ثقافة الإفلات من العقاب وسيادة المال والنفوذ.
ثانيا: تشخيص البيئة الداخلية:

من الناحية المرفقية:

يتميز واقع الخدمات العمومية في المغرب عموما بالتعقيد والبيروقراطية من جهة، والافتقار إلى الجودة والنجاعة رغم ارتفاع التكلفة (تكلفة إنتاج الخدمة) من جهة أخرى. ومن ضمن هذه الخدمات نذكر الخدمات القضائية وبالتحديد الأحكام والقرارات التي عرفت على مرور السنين بطئا وضعفا في معظمها، وهذا يعود لتداخل عدة عوامل ليست كلها مرتبطة بأداء القضاة بطبيعة الحال. فمن هذه العوامل ما يعود لضعف البنية التحتية وافتقار المرافق القضائية للتجهيزات والموارد المادية والبشرية اللازمة، ومنها ما يعود إلى ضعف أداء المكونات التي تساهم في صناعة هذا المنتوج القضائي سواء تعلق الأمر بتكوينها أو بوجود معيقات موضوعية تحكم ظروف اشتغالها.

من ناحية الموارد البشرية:

أدى ضعف نظام الولوج والتكوين لمزاولة الوظائف والمهن القضائية، وعدم وجود نظام موضوعي للتوظيف وتقييم الأداء وربط مستوى الدخل المادي بالكفاءة والمردودية في العمل، إلى فقدان الانتماء للمنظومة وانخفاض منسوب التفاني في العمل، وانتشار ثقافة التكاسل واللامبالاة والتملص وإلقاء المسؤولية على الغير بين معظم الممارسين في القطاع. وهذه حالة عامة تشهدها معظم القطاعات العمومية بالمغرب لوجود المعيقات ذاتها. إذ أضحى الفساد الإداري نمطا منظما في سلوك بعض الموظفين والمهنيين للزيادة في دخلهم من خلال أساليب غير مشروعة.

المستوى الثاني: التواصل من أجل التخطيط.

يحتاج أي مشروع للإصلاح وضع خطة إستراتيجية تقوم على المعطيات التي أفرزتها عملية التشخيص. وإذا كانت هذه الأخيرة (أي عملية التشخيص) قد تطلبت إشراك مختلف مكونات المنظومة فإنه من المنطقي أن يستمر نفس المنهاج في العمل على مستوى التخطيط. وفي ذلك تعميق للإحساس بالانتماء إلى المشروع ورفع نسبة التحفيز للعمل على إنجاحه. هذا الإشراك الذي يجب أن يكون حاضرا في إعداد إستراتيجية الإصلاح ببعديها الطويل الأمد والمستعجل. 

أولا: إستراتيجية طويلة الأمد: (الإستراتيجية الشاملة)

بالنسبة إلى البيئة الخارجية:

- وضع برامج إعلامية وتواصلية مع الجمهور لإعادة الثقة في مرفق العدالة بين فئات الشعب، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى القانون واللجوء إلى القضاء للحصول على الحقوق أو حمايتها. (فكرة الأبواب المفتوحة، التواصل المباشر عبر الإعلام).

- وضع برامج تربوية وإعلامية للتربية على قيم العدل والإنصاف واحترام القانون وحقوق الآخرين، وتعميق الوعي بأضرار الفساد وآثار آفاته على الفرد والمجتمع. مع استعمال وسائل الإقناع (النصوص الدينية، التحليل النفسي والسيكلوجي، علم الاجتماع، التجارب الواقعية.)
- إيجاد قنوات تواصلية مع المتقاضين، ووضع آليات تضمن فعاليتها.
-وضع برامج بالتنسيق مع وسائل الإعلام لمواكبة الجمهور لأطوار ومراحل الإصلاح، مع خلق فضاءات تواصلية للتفاعل مع ملاحظاتهم وآرائهم ومقترحاتهم.
- تحفيز مختلف الفاعلين المجتمعيين للمبادرة والمشاركة في أطوار عملية الإصلاح.
بالنسبة إلى البيئة الداخلية:

- وضع ميثاق لتحديد أخلاقيات الحوار والتواصل.
- تحديد المعايير الواجب احترامها للحسم واتخاذ القرار.
- وضع الأهداف الأساسية لإصلاح منظومة العدالة.
- وضع الأهداف المرتبطة بكل مكون من مكونات المنظومة.
إعداد:ذ/ خليل الإدريسي

تعليقات