القائمة الرئيسية

الصفحات

المراقبة الإدارية على الجماعات الترابية ومطلب التنمية PDF




 المراقبة الإدارية على الجماعات الترابية ومطلب التنمية


اتجهت الدول المتقدم منها والنامية مند النصف الثاني من القرن العشرين نحو الأخذ بنظام الحكم المحلي وبنظام الإدارة المحلية، وليس هذا الاتجاه إلا نتيجة طبيعية لعدة متغيرات حدثت في العالم في القرن العشرين خاصة في أواخره متغيرات قد تكون سياسية وقد تكون اجتماعية وثقافية وتكنولوجية، ولا شك انه كان لها أثرها الفعال والرئيسي في تغيير أسلوب إدارة المجتمعات الإنسانية أو كما يسمى ب ” فن إدارة الدولة”[1] .

فالإدارة المحلية غذت تحتل مركزا هاما في التنظيم الإداري للدولة، إذ تحظى باهتمام جميع الدول سواء المتقدمة أو النامية وذلك لما تحققه من مزايا سياسية وإدارية واقتصادية واجتماعية [2]، وتعد اليوم مجالا خصبا للصراع والمنافسة بين الأحزاب السياسية ومختلف القوى الاجتماعية المتطلعة إلى ممارسة السلطة، وهذا ما يفسر الاهتمام الكبير للدول الحديثة بمسألة بناء وتنظيم صرح إدارة محلية عصرية ومتطورة إلى الحد الذي أصبح معه تنظيم الإدارة المحلية مجالا للتنافس والتسابق بين مختلف الدول بغض النظر عن طبيعة أنظمتها السياسية وفلسفتها الاقتصادية والاجتماعية [3].

إن هذا الاهتمام المتزايد بتنظيم الإدارة المحلية _حتى أصبحت تتبوأ مراكز هامة في التنظيم الإداري بجميع الدول الحديثة_ إنما يجد مبرره فيما تحققه من مزايا سياسية إدارية اقتصادية اجتماعية…، فهي تعد من الناحية الإدارية جهازا يتولى القيام بمختلف الأنشطة ذات الطابع الإداري وتقديم الخدمات المرغوب فيها من لدن المرتفقين، ومن الناحية السياسية تعد جهازا لاكتساب شرعية الأنظمة الحاكمة، كما أنها من الزاوية الاقتصادية، تعد أداة لتحقيق التنمية وقناة أساسية لتنفيذ السياسات العمومية. لذلك فالحديث عن الإدارة المحلية وقياس مكانتها وجب ربطه بالنسق السياسي والثقافي الذي يحكم الإدارة نفسها، على اعتبار أن هذا النسق هو من حدد ولا زال يحدد بنية وحركية الإدارة المحلية، بحيث تستمد مفهومها منه أو بعبارة أدق من خلال العلاقة الموجودة بين نظام “كحاكم” وبين مجتمع “كمحكوم” فإذا كان النظام لامركزيا يكون نظام الإدارة منفتحا وتشاوريا على خلاف الأمر إذا كان النظام مركزيا، يكون نظام الإدارة منغلقا ومعقدا[4].

إن التنظيم الإداري (الجماعي) يحيل إلى مبدأ اللامركزية التي تعترف بالوجود القانوني لكيانات ثانوية ذات شخصية معنوية ومتوفرة على صلاحية تدبير مصالحها الخاصة عن طريق أعضاء منتخبين والمعروف أن العمل بالجماعات متجدر في تاريخ المغرب، فهو يعود إلى عهود ما قبل هجمات القرطاجية حيث كان يشرف على الجماعة مجلس يدير مصالح السكان الحيوية ويسعى إلى توفير حاجياتهم الضرورية بتعاون مع جماعات القرى المجاورة المنضوية تحت لواء القبيلة، ولعل ما يميز التدبير الجماعي في تلك الفترة هو روح الديمقراطية وسيادة رأي “الجماعة” وقد تعددت اختصاصات ومهام الجماعة آنذاك[5]. لتشمل الفصل في النزاعات بين الأفراد والتدخل في أمور الماء والري والزراعة.

وبقي الأمر على هذا المنوال عند الفتح الإسلامي للمغرب الذي وطد استقلالية “الجماعة” بإلحاقها بالمؤسسات الرسمية للدولة أسوة بالحسبة والقضاء وإبان الاحتلال فرضت الحماية الفرنسية سنة 1912 محاولة ضرب المكتسبات التاريخية، ومستهدفة “الجماعة” في المقام الأول باعتبارها الوسيلة التنظيمية الأساسية للمغاربة القادرة على المحافظة على الهوية، هكذا ارتكزت سياسة الاستعمار على التقسيم العرقي للسكان وعلى التقاليد والعادات بغية النيل من وحدتهم، غير أن عزة نفسهم أحبطت كل المناورات، واستمرت المقاومة إلى أن حصل المغرب على الاستقلال سنة 1956، ولقد عرف التنظيم الجماعي مند ذلك التاريخ تطورا كبيرا[6]، ونذكر في هذا السياق الظهائر التي أعطت اللامركزية أبعاد ثقافية واجتماعية واقتصادية، ظهير 23 يونيو 1960 وظهير 30 شتنبر 1976 وظهير 03 أكتوبر 2002، الذي تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 17.08.

انطلاقا مما سبق فقد مر التنظيم الإداري للدولة الحديثة بعدة مراحل تخللتها أشكال مختلفة من الهياكل الإدارية، ولعل التنظيم الإداري الحالي يشكل أهم ما وصل إليه الفكر الإداري الحالي في المجال الديمقراطي، وهو ما يتجلى عندما نلاحظ أنه بجانب الإدارة المركزية التي تدير تدبير دواليب الحياة العامة للنظام السياسي القائم _هناك الإدارة المحلية_ وكما سبقت الإشارة، التي تم خلقها لمواجهة المشاكل المحلية أمام ما تتطلبه من سرعة وفعالية ونجاعة في المعالجة سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، هكذا فالإدارة المحلية هي مجموعة من الأجهزة المنتخبة ذات الشخصية المعنوية تعمل على تدبير الشؤون المحلية وذلك بتعاون مع ممثلي السلطة المركزية وتحت وصاية هذه الأخيرة إذ هي تجسيد واقعي لأسلوب اللامركزية وتبعا لذلك فأسلوب اللامركزية الإدارية هو اسلوب ديمقراطي يخول بمقتضاه المشرع سلطات تقريرية للأجهزة التي يتم انتخابها على المستوى المحلي “الأجهزة الجماعية المنتخبة” ضمن النطاق المحدد لها قانونا وتحت إشراف رقابة السلطة المركزية[7].

ومن هنا وللحديث عن اللامركزية الإدارية لابد من توفر الشروط الضرورية التي تشكل ضمانة أساسية لنجاح هذا الأسلوب ومن هذه الشروط يمكن الإشارة إلى:
  • أن يعترف أن هناك مصالح محلية تختلف عن المصالح الوطنية أي أن هناك مصالح مستقلة تقتضي إيجاد أجهزة مهمتها السهر على هذه المصالح وإدارتها وذلك في استقلال عن الأجهزة المركزية وتحت وصايتها.
  • أن تعيين الأجهزة اللامركزية يتطلب إتباع أسلوب يؤمن استقلالها عن الحكم المركزي ويتفادى ما قد يحدث من تداخل بين نظامي عدم التركيز واللامركزية ولعل أهم شرط للكلام عن اللامركزية إذ هو الطريق الأمثل من شانه أن يضمن استقلالا فعليا للأجهزة المحلية وتدبير أمثل للمصالح المحلية.
  • إن تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها اللامركزية يفرض لوجودها تمكين الأجهزة الجماعية من الاستقلال الإداري والمالي الضروري من خلال تمكينها من صلاحيات وموارد خاصة وهو شرط أساسي لإنجاح اللامركزية والاستقلال الجماعي لكن هذا الاستقلال ليس كاملا وتاما إذ تظل الجماعات أو الهيئات المنتخبة خاضعة لوصاية السلطات اللامركزية فماذا عن هذه المراقبة؟

إن الذي يهمنا وارتباطا بالموضوع الذي نحن بصدده، هو محاولة الوقوف على المحتوى الحقيقي لنظام المراقبة على المجالس الجماعية بالمغرب وكذا أشكال وصور هذه المراقبة وأسبابها والأساليب والوسائل المتبعة بشأنها والجهات المختصة بممارستها وإذ نقدم في هذه الدراسة نموذج للمراقبة المفروضة على الإدارة الجماعية فإننا نحاول الكشف على أوجه القصور والاختلالات التي تعتري نظامها الحالي، ومحاولة تقديم بعض الحلول والمقترحات التي تفضي إلى عقلنة نظام المراقبة الإدارية وجعلها أكثر فاعلية ومحققة للأهداف المتوخاة من وراء إقرارها، بدل أن تكون أداة لإعاقة تطوير العمل الجماعي والنهوض بمسؤوليته التدبيرية وعزمه على تحقيق التنمية المحلية في اتجاه إنجاح تجربة اللامركزية والديمقراطية المحلية كما نأمل من هذه الدراسة تحريك النقاش حول النقاط التي تهم الرقابة على النظام الجماعي، خاصة في الجوانب التي سنلمس ومن خلال تحليلنا بأن تظهر أكثر وطأة وتقلا على استقلالية وحرية المجالس الجماعية، وذلك بغية التوصل إلى تصور جديد لها ووضع أنجع الضوابط وإقرار أسلم الحلول والتدابير الموازية التي من شأنها أن تساهم في التخفيف من حدتها (المراقبة)، وبالتالي الدفع بالنظام اللامركزي الحقيقي على المستوى المحلي، وترسيخ جذور التطور نحو كل إقلاع إنمائي.

ومن تمة تكتسي هذه الدراسة أهمية كبيرة خصوصا وأن الأمر يتعلق بالوحدات الترابية وبالأحرى الانخراط الفعلي في التجربة اللامركزية.

فمن جهة تتجلى أهمية هذه الدراسة في أنها تحاول تسليط الضوء على موضوع حيوي وشائك ومعقد بذات الوقت ألا وهو الرقابة التي تمارسها السلطة المركزية على الإدارة الجماعية وذلك عقب التغيرات التي لحقت نظامها القانوني مند صدور ظهير 1976 إلى التعديلات الخاصة بالتنظيم الجماعي 17.08 وقانون 45.08 المتعلق بالتنظيم المالي المحلي وبعد أن عمرت تجربة اللامركزية الجماعية أكثر من ثلاث عقود إضافة إلى القوانين التنظيمية للجماعات الترابية الأخيرة بمستوياتها الثلاث.

ومن جهة ثانية فإن معرفة الوضع والوقوف على ما آلت إليه المراقبة في إطار القانون الجديد المنظم للإدارة الجماعية مسألة في غاية الأهمية، لأنها ستسعفنا في النهاية على الوقوف على الوضع الذي أصبحت عليه اللامركزية المحلية وتحديد درجاتها وبالتالي إعطاء تقييم ولو تقريبي حول العلاقة الوطيدة التي تجمع بين اللامركزية ونظام هده المراقبة، فرقعة اللامركزية تتسع أو تضيق حسب درجة اتساع أو ضيق هذه الأخيرة، ومدى التمتع بالاستقلالي بالتالي فلمعرفة أي إصلاح يرمي إلى توسيع فرص مساهمة المواطنين في بناء مجتمعهم المحلي بالصورة التي يرتضونها ينبغي أساسا الوقوف عند نظام المراقبة المتبعة على ضوء الممارسة الفعلية.

ومن جهة ثالثة، تمكن أهمية هذه المراقبة في الوقوف عند النصوص القانونية والوسائل الوصائية المتوفرة لدى السلطات المركزية، ومعرفة حدودها، والجهات التي تمارسها ومدى شدتها ووطأتها على المجالس الجماعية، ذلك أنها ليست دائما حبيسة النصوص بل أنها توجد أيضا خارج النصوص، أي في الممارسة العملية، حيث تتخذ أشكالا غير مباشرة تمارس فيها وسائل غير مألوفة كما تتعدد الجهات الممارسة لها، مع محاولة استشراف مزايا مراهنة المغرب على الارتقاء بالعمل الجماعي من خلال الاستفادة من من الاتجاهات الحديثة التي أثبتت نجاعتها في العديد من التجارب المقارنة.

من خلال هذه المنطلقات ومع التسليم بوجود تحولات هامة في ممارسة المراقبة الإدارية على الجماعات، تطرح الإشكالية المركزية التي نروم معالجتها والتي تتمحور حول:
_ ما مدى تثبيت الأبعاد التي يركز عليها نظام المراقبة ومساهمة الإصلاحات القانونية في بلورة نظام رقابي ناجع وكفيل بالارتقاء بتدبير الشأن العام المحلي؟ ومدى انطباق الإطار القانوني مع الممارسة والواقع، ومع استيعاب اللامركزية من طرف المحيط الاجتماعي ومع التطبيق السليم للديمقراطية المحلية؟

لتحميل الرسالة كاملة PDF


تعليقات