القائمة الرئيسية

الصفحات

صياغة الأحكام القضائية


تكمن مهمة القاضي في الإعلان الوجاهي عن الحقيقة التي استنبطها من المقدمات التي سبق له أن وضعها، وهي حقيقة موجهة للخصوم وللغير، فلا يحتفظ بها لنفسه، ومن ثم فان عليه أن يعرض حكمه في صيغة مبسطة ومستجيبة لمتطلبات التفكير المنطقي بقدر الإمكان.

ولهذا فان عمل القاضي في صياغة الحكم ينقسم إلى أقسام خمسة هي:-

1. مدخل الحكم؛

2. التقسيم والتوزيع (الأسباب)؛

3. مناقشة الأدلة؛

4. التقرير؛

5. منطوق الحكم.


أولا: مدخل الحكم

يضم هذا القسم عددا هاما من المعلومات والبيانات العديدة والمختلفة التي يعرضها الخصوم على القاضي بحيث يشكل هذا القسم الأساس الصحيح للعمل الفني كله فلا يجوز للقاضي أن يبني استنتاجه إلا عليه.

وعلى القاضي أن يعني عناية خاصة بتحرير مدخل حكمه بان يحذف العبارات المزعجة وكل التفاصيل التي لا يتعلق بها النزاع ولا فائدة منها.

ويجب ألا تكون عبارات المقدمة مقتضبة إلى حد الإخلال بالمعنى وغير طويلة أو مشحونة بما لا فائدة فيه وان بين الصياغة المشحونة الوجيزة التي تكاد تكون بمثابة رموز وبين العبارات الطويلة والمملة والمثقلة بالألفاظ الفارغة مستوى من التعبير يكتشفه القاضي المتمرس صاحب الأفق والذوق السليم.

وعلى القاضي كذلك أن يبتعد عن استخدام العبارات والألفاظ التي من كثرة ما استخدمت في المرافعات أمام المحاكم دون تحري للمعنى الدقيق لها.


ثانيا: التقسيم والتوزيع (الأسباب)

إن هذه العملية ليست ضرورية في كثير من الأحيان وخاصة إذا تبين من تلاوة المدخل انه لا يوجد ما يدعو إليها لان القارئ المنتبه يستخلص وحده المسائل التي يتعين الفصل فيها وخصوصا إذا كانت القضية بسيطة ليس فيها كثير تعقيد. ولكن عندما يبدو التقسيم ضروريا فان على القاضي أن يعنى بوضع تقسيم من اجل أن يبين كل جزء من أجزاء النزاع التي تشكل وحدة مستقلة بكيفية واضحة ومتميزة من غير أن يضطر إلى وضع عناوين بارزة تؤدي إلى القضاء على وحدة الحكم.


ثالثا: مناقشة الأدلة

على القاضي أن يضع نصب عينيه بديهية يجب ألا تغيب عن ذهنه وهي: أن يساوي بين الأشياء المتماثلة وان يفرق بين المتباين منها فعليه الإجابة على كل معارضة فيلغي ما يجب إلغاءه من الحجج التي لا تأثير لها الحكم وان يأخذ بعين الاعتبار كل حجة ذات قيمة وان يبذل كل جهد ممكن من اجل إزالة التناقض في الدعاوى المعروضة عليه.


ولتحقيق ذلك عليه مراعاة ما يلي:

1. أن يتجنب الغموض والعبارات الملتبسة وان لا يخلط بين الأفكار القانونية المتقاربة مثل المحل والسبب والقصد والموضوع ، وبين حالة الضرورة والقوة القاهرة وان يتحرى الدقة في اختيار الألفاظ اللغوية التي توحي بالالتباس ظنا منه انه بذلك يظهر تعمقه وتفوقه بأصول اللغة.

2. أن لا يتعرض لموضوع النزاع وأساسه إذا تبين له أن هناك مسألة شكلية تدعو إلى إعلان عدم قبول الدعوى كذلك ، فإن عليه ألا يتعرض لمناقشة الأدلة والإثباتات التي قدمت على سبيل الاحتياط إذا كان الدليل الأساسي كافيا لإقامة حكمه عليه.

3. أن يمتنع عن تدبيج حكمه بعبارات تمس بكرامة الغير أو تؤدي إلى إحراج احد القضاة ممن سبق لهم الفص في النزاع أو سيكون لهم دور في نظره أو تحط من كرامة محامي الخصوم.

وكذلك من خطأ التعبيران نقول أن المحكمة لها الحق في كذا لان المحاكم فيما تقضي به لا تمارس حقوقا وإنما تمارس سلطة الحكم في المنازعات.


وفي مجال الالتزام في اختيار الألفاظ يتوجب على القاضي ألا يستخدم كلمة " استجواب " إلا بالنسبة للخصوم أو المتهمين أما الشاهد فيستخدم له لفظ " سماع والخبير " “ مناقشة ".

وفي مجال الالتزام بالتعبير الصحيح والدقيق في الوقت ذاته فإن على القاضي أن يتجنب في حكمه تعبيرات قد تؤدي المعنى ولكنها لا تتصف بالدقة الواجبة عند تحرير الأحكام القضائية.

على القاضي كذلك ألا يستخدم عند الإشارة إلى المحكمة أول درجة تعبير " المحكمة الدنيا " أو أن يستخدم عبارة" المحكمة العليا "عند الكلام عن محكمة النقض فعلى الرغم من أن هذا التعبير قد غدا سائدا في لغة الفقه وفي بعض الأحكام القضائية إلا أنه تعبير غير دقيق من ناحية ثانية لأن للمحكمة اسمها الذي يجب أن يشار به إليها وغير صحيح من ناحية أخرى لأن المحاكم ما قد يطلق عليه هذا الاسم ويكون أقرب إلى الدلالة عليها مثل المحكمة الدستورية العليا / أو المحكمة الإدارية العليا.


نقاوة الألفاظ وفصاحة اللغة

يقول الأستاذ بييرفميان " أنه بقدر ما هو ضروري أن يتأكد احترام قواعد اللغة بين جدران السوربون علينا أن ندرك أن في استطاعتنا أن نصوغ حكما أو نعرض فكرة قانونية في لغة تفوق لغة رجال الأدب فصاحة وبلاغة دون حاجة إلى استخدام الكلمات المهجورة أو الألفاظ الجديدة المبتكرة، إن استخدام بعض الألفاظ التي اكتسبت في حديث الحياة العملية - العامية - أمر ينبغي تجنبه في لغة الأحكام مما يملي على القضاة أن يحفظوا للأحكام لغتها المتميزة ذلك لأن لكل طائفة لغتها وطريقة كلامها وأسلوب كتابتها، فللجند في ثكناتهم لغة، وللسجون لغة، ولحلقات الرهان لغة، وللتعامل في البورصة لغة، بل أن للنيابة وللمحامين لغة، وكلها لغات لها خصائصها المميزة لها، ولغة القضاء ينبغي أن تبقى متميزة عن غيرها من اللغات.

كما أن هناك تعبيرات ومصطلحات لا يصح أن يلجأ إليها الحكم القضائي الذي إلا يترك أي لفظ فيه مجال للاستنتاج أو التأويل أو الاستيضاح ومن ذلك مثلا مصطلح " الخ " أي إلى آخر ذلك فهو مصطلح فيه من التأويل ما لا يجدر أن يكون في الأحكام القضائية التي ينبغي أن تكون في لغتها حاسمة قاطعة.


أخيرا، يأتي الجرس أو النغم الذي ينبغي أن يصاحب لغة الحكم ومنطوقة على وجه الخصوص فالحكم يتلى من قبل رئيس الجلسة - أو هذا هو المفروض على أي حال - ثم تعاد قراءته وتلاوته من قبل المحامين في أدوار الخصومة المتلاحقة ثم من الباحثين والدارسين بل ومن الخصوم أنفسهم؛ ومن المرغوب فيه أن يستمد المنطوق من هيبة القضاء شيئا من الرهبة وهذه الرهبة تحتاج إلى جرس وقور هادئ يجب أن يتميز به منطوق الحكم وهذا الجرس يعني عناية في اختيار الألفاظ البسيطة، الواضحة، والدقيقة في الوقت ذاته مع تجنب التكرار والحرص على الترابط والتناسق وتجنب الأنغام الغليظة للألفاظ والمقاطع الكلامية المصحوبة بالصفير كل ذلك محافظة على النغم الهادئ الذي ينبغي أن تتميز به لغة منطوق الأحكام.


12. أن يتجنب عبارات الثناء على السلطة الحاكمة أو الإدارة القضائية أو رؤساءه لكون ذلك لا يغني من الحق شيئا وبصفة عامة فان استخدام الأوصاف والنعوت بصفة تعسفية والإكثار من العبارات الظريفة تحدث إرباكا في الصياغة مما يؤدي إلى التباس في المعاني إن على مستوى النظريات والمواقف القانونية أو على مستوى الوقائع وهذا كله عديم الفائدة.


13. قد يحدث أن يجد القاضي نفسه محرجا من مناقشة الأدلة التي يعرضها عليه أحد الخصوم فيصعب عليه اتخاذ موقف واضح فإذا به يلجأ إلى حل يستند إلى نوع غريب من (العدل) في محاولة منه لإرضاء الخصوم جميعا كما هو الحال في الأحكام التوفيقية المراد منها إرضاء جميع الأطراف.


14. أن يلتزم القاضي بالخصومة كما رفعت أو كما قدمت إليه ولا يتعرض لغير ما تضمنته الأوراق من أمور وما ضمته الدعوى من أطراف ويتفرع عن ذلك أن القاضي في تحريره للحكم، أسبابه ومنطوقه وعلى وجه الخصوص ممنوع من أن يتطرق منه إلى الكلام عن أمور لا تدخل في نطاق الخصومة بمعناها الضيق ولا إلى التعريض بأشخاص ليسوا في الخصومة المعروضة عليه مدنية كانت أو جنائية.


وعلى ذلك فإذا كانت القضية المعروضة على القاضي هي اتهام رئيس دائرة أو مدير شركة بارتكاب جناية أو جنحة تتصل بعمله فليس للقاضي أن يتعرض لأشخاص ليسوا متهمين أمامه بشيء من ذلك أو أن ينسب إليهم أمورا لم تشر إليها الأوراق أو التحقيقات المطروحة أمامه مادام أن اتهاما لم ينسب إليهم ولم يكن التعرض لهم لازما للفصل في الدعوى المطروحة عليه؛ كموظفي المؤسسة أو الشركة مثلا.


ويتفرع على أن القاضي ملتزم بنطاق الخصومة المعروضة عليه انه ملزم عند تحرير أسباب حكمه أن يستقيها من الأوراق المطروحة عليه أو من نصوص القانون فلا يملك والحال كذلك أن يضمن أسباب حكمه ما يعتبر من قبيل العلم الخاص أي الأمور التي يستقيها بعلمه هو لان الأصل أن القاضي لا يحكم بعلمه ولا يسوغ له أن يبني حكمه على اطلاع خاص قام به أو قراءات أتيحت له خارج نطاق الخصومة وعلى ذلك فليس للقاضي أن يبني رفضه للأساس العلمي الذي قام عليه التقرير الطبي المقدم إليه من طبيب شرعي أو خبير باعتبار أن ما حصله من قراءته الخاصة يعارض ما بني عليه التقرير الطبي ولكن للقاضي أن يضمن أسبابه وان يبني حكمه على كل ما يدخل في نطاق العلم العام أي المعلومات التي لا تخفى على أحد دون أن ينعى عليه بأنه حكم بعلمه.


15. الالتزام بما تمليه طبيعة الوظيفة القضائية وحدودها: والأصل في ذلك أن السلطة القضائية سلطة من سلطات الدولة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر أحكامها وفقا للقانون وان القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون وانه لا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو شؤون العدالة.

وقد انبنى على أن السلطة القضائية هي واحدة من سلطات الدولة الثلاث أنها ملتزمة بمراعاة مبدأ الفصل بين السلطات. فلا تملك المحاكم وهي تفسر القوانين لتطبيقها على الدعاوى المنظورة أمامها أن تصدر قرارات عامة لتطبق في كل منازعة تعرض عليها كما أنها لا تملك إصدار لوائح أو قوانين حتى لو أريد بها تنظيم أعمالها ما لم يمنحها المشرع هذه السلطة.


أكد ذلك نص المادة(17) من قانون السلطة القضائية المصري والذي منع المحاكم من النظر في أعمال السيادة بطريقة مباشرة كما منعها وهي تمارس اختصاصها في المنازعات بين الأفراد والإدارة من أن تتعرض لأي أمر إداري بالتأويل أو الإيقاف.

ويترتب على ذلك انه لا يجوز للقاضي وهو يحرر أسباب حكمه والمنطوق بطبيعة الحال أن يتعرض لما هو داخل في صميم اختصاص السلطة التشريعية فليس له إزاء حكم القانون إلا أن يطبقه على الخصومة المطروحة عليه فلا يسوغ له أن يستبدل حكما بحكم ولا أن يأخذ بنص دون نص ولا أن يتناول في حكمه قانونا أصدرته السلطة التشريعية بأي تعديل أو تحريف وغاية ما يملكه هو أن يفسر النص إذا غمض.


كذلك فلا يجوز للقاضي وهو يحرر أسباب حكمه أن يتعرض لما هو من اختصاص السلطة التنفيذية وفضلا عن أنه ممنوع من النظر في أعمال السيادة ومن تأويل القرارات الإدارية أو وقف تنفيذها، لا يجوز له أن يغفل حكم لائحة أصدرتها تلك السلطة أو أن يطرح جانبا ما وضعته من تنظيمات إدارية وقواعد تنظيمية.

كما لا يسوغ للقاضي وهو يحرر أسباب حكمه أن يتناول بالنقد أو التجريح قانونا أصدرته السلطة التشريعية في حدود سلطاتها أو أن يطلب باستكمال تشريع قائم أو استبداله بآخر أو تعديله أو إلغائه.


فمن المقرر دستوريا أن المجلس التشريعي هو الذي يتولى سلطة التشريع وان المحاكم هي من يتولى سلطة الفصل في المنازعات والجرائم إلا ما استثني بنص بعض المواد المعينة من قانون السلطة القضائية، وان السلطة القضائية تصدر أحكاما وفق القانون بموجب أحكام الدستور الذي تضعه السلطة التشريعية ممثلة في المجلس التشريعي الفلسطيني ومن المقرر أيضا أن مبدأ الفصل بين السلطات يقتضي ألا تتعرض سلطة لما اختصت به سلطة أخرى وعلى ذلك لا يسوغ للسلطة التشريعية أن تتدخل في أعمال القضاة لا مباشرة بقرار تصدره ولا بصورة غير مباشرة عن طريق توجيه يصدر عنها يقصد بها المساس باستقلال القضاء وحصانته أو يمكن أن يؤثر في سير العدالة أو أن يحمل مجرد الشبهة في ذلك.

إن ما طرأ على مبدأ الفصل بين السلطات من تطور جعل العلاقة بين السلطات الثلاث أقرب إلى التعاون والتكامل منها إلى الفصل والتباعد، فلم يعد مبدأ فصل السلطات يعني استقلال كل واحدة منها على الأخرى استقلالا مطلقا، لان هذا النوع من الاستقلال يتنافى مع طبيعة الآلة الحكومية فلا يمكن تصور حكومة ذات أداء عملي منتظم إذا كانت السلطات فيها لا يتصل بعضها ببعض ولا تتساند فيما بينها للاضطلاع بأعباء الحكم؛ ولذلك أصبح المبدأ يعني أن تعمل كل سلطة مستقلة داخل حدود معينة لا تتعداها وتحت إشراف السلطة الأخرى التي تمهد لها السبيل، وترد غلوائها إذا جمحت، على أن يكون عند احدها السلطة عند الحاجة في أن تسود إرادتها منعا للاستبداد بالأمر وإفساد سير السلطة العامة ودون أن تتركز في يدها السلطة كلها وذلك أن الانفراد بالسلطة يؤدي حتما إلى الاستبداد بها.

من أجل ذلك ساد في الفقه الدستوري مبدأ تعدد السلطات وأصبحت له الأولوية على مبدأ الفصل بينها ثم وزعت سلطات الدولة على هيئات وخشية استبداد احدها بالأخرى وجد مبدأ الفصل بين هذه الهيئات، ومن أجل ألا تستبد إحداها فيما أعطي لها من سلطة جعل الفصل بينها إلى حد وجعل لكل منها أن تراقب الأخرى أتوقفها عند حدها، ولتمنعها من الوصول إلى درجة الاستبداد بسلطتها وخشية أن تستبد هذه السلطات مجتمعة، جعلت الأمة مصدرا للسلطات وأصلا تفرعت عنها الهيئات. 


في ضوء ما تقدم، يمكننا القول بأن القاضي وان كان لا يملك إلا أن يطبق القانون، إلا انه بوازع من ضمير العدالة والإحساس بها، يملك أن يعرب عن اعتقاده بما شاب القانون من قصور أو عيوب، أو بما انطوى من قصور أو عيوب عليه من مساس بمبادئ العدالة والإنصاف، ويملك تبعا لذلك أن يضمن أسباب حكمه- دون المنطوق بطبيعة الحال - ما اعتمل في صدره من هذه الأمور؛ وهو في ذلك لا يوصف بأنه قد تدخل في أعمال السلطة التشريعية، وإنما يكون قد ساهم بوجهة نظر لها قيمتها وأثرها في تكوين وتوافر القناعة العامة التي يحتاجها كل تشريع لكي يكتسب شرعيته الحقيقية في المجتمع، فليس يكفي أن يصدر التشريع من المجلس التشريعي وإنما يتعين - لكي تتوافر له الشرعية الحقيقية لا الشكلية - أن يكون كفيلا لسد حاجات يحسها أفراد المجتمع إزاء ما صدر بشأنه من أمور.

لا نبالغ إذا قلنا أن القاضي بذلك يسهم بواجب مفروض على كل مواطن، وهو يقدم النصح غالى سلطات الدولة التي تنشد الأفضل دائما فإذا ساغ النصح من كل مواطن فهو من رجل قضاء ليس أمرا سائغا فحسب بل هو مطلوب ومفروض.

إن المتتبع لأحكام القضاء المصري سيجد أن المحاكم المصرية وعلى رأسها محكمة النقض لم تجد حرجا، وكلما اقتضى الحال في أن تتعرض إلى أحكام القانون الذي يحكم النزاع المطروح عليها وان تطالب - إذا رأت وجها لذلك - بتعديل أحكامه أو استكمالها أو إلغائها بل لقد كان هذا هو اتجاه محكمة النقض المصرية منذ أول نشأتها؛ ففي حكم أصدرته المحكمة في19 / 12 / 1932 م بشأن ردها على وجهة نظر النيابة، وهو ما جعل المشرع يستجيب فورا لهذا النداء - المتمثل في الحكم - الصادر عن محكمة النقض، فلم يمض وقت طويل حتى صدر القانون رقم 39 لسنة 1934 بتعديل حكم المادة 53 من القانون رقم4 لسنة 1905 م الخاص بتشكيل محاكم الجنايات على النحو الذي دعت إلية المحكمة النقض في حكمها المذكور.

لا نغالي إذا قلنا انه في كثير من الأحوال كان الداعي المباشر إلى تعديل أحكام بعض التشريعات هم ما تضمنته أسباب الأحكام من صيحة تدعو إلى هذا التعديل وتراه ضرورة لتحقيق العدالة على أكمل وجه.

عندما تأتي الصيحة من طرف محايد عالم بالداء واقف عليه ومدرك لمخاطره فإنها تكون صيحة حق ليس أولى من القضاء بها ومن أن يكون هو أول من يطلقها.

وما قلناه عن السلطة التشريعية يسري كذلك على السلطة التنفيذية ولكن بصورة ربما أكثر اتساعا وعلى نحو أقل تحفظا.


فللقاضي أن يضمن أسباب حكمه ما يراه من نقد للنظم الإدارية التي وضعتها السلطة التنفيذية وما تسير عليه من قواعد تنظيمية، بل ولا تثريب عليه إذا هو ارجع الوزر فيما ارتكبه المتهم إلى هذه النظم وفسادها، أو طالب بتعديلها أو إلغائها وليس على القاضي أي لوم كذلك إذا بنى حكمه على ما يعتقده من أن هذه الأنظمة أو القواعد قد انطوت على جور أو ظلم، شريطة ألا يوقف تنفيذها إذا بلغت مرتبة الأوامر أو القرارات الإدارية، وذلك كله مراعاة ما للقاضي الإداري من ولاية واختصاص في هذا الصدد.

ولا ينبغي أن يؤخذ الأمر على إطلاقه فإذا ساغ للقاضي في تحريره للأسباب أن يتناول أمورا تتعلق بالسلطة التشريعية أو التنفيذية، بمعنى أنها تدخل في صميم اختصاصها فإن ذلك ينبغي أن يكون مشروطا، لكونه مرتبط ارتباطا وثيقا بما هو معروض على القاضي من أمور، ومتعلق بها على نحو لا يقبل الانفصام، وان يكون تعرضه لهذه الأمور في حدود ما يقتضيه هذا الارتباط وهذا التعلق؛ فإذا كانت المحكمة قد حكمت بعدم جواز نظر الدعوى المرفوعة أمامها، أو بطلان الإجراءات التي اتخذتها النيابة العامة بسبب عدم رفع الحصانة عن عضو في المجلس التشريعي أثناء دورة انعقاد المجلس، فليس للقاضي أن يتعرض بالتجريح أو النقد أو التفنيد إلى القرار الذي أصدره المجلس برفض رفع الحصانة عن هذا العضو.

فإذا كانت المحكمة في حكمها على متظاهرين أو مضربين من عمال ومستخدمين بسبب احتجاجهم على قانون العمل، أو اللوائح الإدارية المنظمة للأجور، قد التمست لهم أسباب الرأفة والتخفيف لقناعة القاضي بأن ذلك القانون أو اللوائح قد هضمت جانبا من حقوقهم فليس لها، وهي تحرر أسبابها، أن تتعرض إلى تفصيل هذا القانون أو اللائحة، أو أن توجه اللوم إلى السلطة التنفيذية لأنها لم تستجب لطلب التعديل، أو أن تقترح في حكمها تغييرا أو تعديلا معينا.


رابعا: التقرير

الأصل أن نتيجة الحكم تكون حاصلة في المنطوق لا غير ولكن القاعدة المتبعة، هي أن القاضي بعد مناقشة الموضوع المعروض عليه، أو الدليل موضوع النزاع، ينهي مناقشته بعبارة يقرر فيها وجهة نظره، ومثال ذلك: (ومما تقدم يتبين أن الدعوى غير مقبولة) وهذا بعد أن يناقش سبب عدم القبول. ومثال آخر(وعليه فإن الدفع لا أساس له مما يتعين رفضه) وهذا بعد أن يناقش الدفع الذي قدمه أحد الخصوم.

وهذا الأسلوب من شأنه أن يسمح للقاضي بتحديد أجزاء المنطوق بصورة واضحة، ويحول دون إغفال لعض المسائل، كما أن على القاضي أن لا يبدأ حيثياته بتقرير العبارة التي توحي بإعلان النتيجة المسبقة للحكم أي أن تكون المقدمات سابقة للنتائج بقدر الإمكان، حتى يتحقق الغرض من التقرير.


خامسا: منطوق الحكم

المنطوق، هو الحقيقة التي ينتهي إليها حكم القاضي وهو الجزء الذي تصغي الآذان إليه، والذي يمكن وضعه موضع التنفيذ، والقسم الذي تتعلق به الحجية القضائية ومن ثم فيجب أن لا يشمل إلا على قبول أو رفض لطلبات الخصوم أو دفوعهم وعلى ذكر ما يجب أن يتناوله التنفيذ وبغير هذا لا يمكن لقضاء المحاكم أن يحقق الغرض المطلوب منه.

يترتب على ذلك أنه لا يجوز للقاضي أن يصرح في منطوق الحكم بالمبادئ القانونية أو الشرعية التي بنى عليه حكمه لأن موقعها الطبيعي هو في الأسباب، وإنما يجب عليه الفصل في جميع القضايا المطروحة عليه إما بالرفض أو القبول، وهي إما طلبات، أو دفوع أو طلبات تحقيق أو خبرة، وخلو منطوق حكمه منها يجعل منه معيبا.

كما أنه غير ملزم بأن يذكر في منطوق حكمه جميع تحفظات وطلبات الخصوم أو موكليهم، وأن لا يفصل بأي شيء لم يسبق أن تعرض له في الأسباب،كما لا يجب أن يفصل في منطوق حكمه بما يخرج به عن نقاط الخصومة التي حددتها طلبات الخصوم، وأن عليه أن يتأكد من وجود تلك الطلبات فعلا في المذكرات المقدمة أثناء المحاكمة.

تعليقات